محمد أبو زهرة
1132
زهرة التفاسير
وإن هذه الأمور محببة لنفس الإنسان ، مجبول بفطرته على الميل إليها ، والاستشراف لها وطلبها ، فهي طلبة النفس الإنسانية ؛ إذ هي من طبيعتها ، وهي تتقاضاها طبيعة الإنسانية ، ومن يحاول أن ينزع الميل إلى هذه الأشياء الستة من نفسه ، فإنما يحاول اقتلاع الخاصة الإنسانية من كونه ، فالطبيعة الإنسانية قد ركز فيها حب هذه الأمور ، ولا تخرج هذه الأمور من النفس الإنسانية إلا إذا بعد الإنسان عن طبعه . ولأن هذه الأمور في الفطرة الإنسانية عبر سبحانه وتعالى بالبناء للمجهول ، فقال سبحانه : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ فأبهم سبحانه من زين حب هذه الأمور للإشارة إلى أنها في الفطرة الإنسانية ، نشأت في الإنسان منذ خلقه سبحانه وأنزله إلى هذه الدنيا ، فهو قد كوّنه سبحانه ومعه تلك الطبيعة الإنسانية ، وإنه ينته الأمر إلى أن الذي زين هذا الحب هو اللّه سبحانه وتعالى ، وقد يؤكد ذلك قراءة مجاهد ( زيّن للنّاس ) « 1 » بالبناء للفاعل ، ويكون الفاعل ضميرا يعود على اللّه سبحانه وتعالى . ومعنى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ : أودعت فطرتهم حب هذه الشهوات ، وأنهم لا يرون فيها نقصا ولا مخالفة للكمال والشهوات المراد بها موضع الشهوات ، فهي من باب ذكر المصدر وإرادة اسم المفعول ؛ فهذه الأمور الستة هي المشتهيات ، وليست هي الشهوات ، ولكن أطلق عليها اسم الشهوات للإشارة إلى شدة محبتها والحرص عليها . ولقد قال الزمخشري في ذلك : « جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشهاة محروصا على الاستمتاع بها » فالمراد أنهم يحبون هذه الأشياء ، ويرون محبتها أمرا حسنا ، ولا غضاضة فيه . ويرى الزمخشري أن قوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ فيه إشارة إلى خساسة هذه الأمور ، ويقول في ذلك : « والوجه أنه يقصد تخسيسها فيسميها شهوات ؛ لأن الشهوة مسترذلة مذموم من اتبعها شاهد على نفسه
--> ( 1 ) وبها قرأ الضحاك ، ينظر : المحرر الوجيز 1 / 408 ، البحر المحيط 2 / 413 ، الدر المصون 2 / 31 . .